خطبة الجمعة - فاعتبرو يا أولى الأبصار طباعة أرسل إلى صديق
السبت, 29 كانون2/يناير 2011 15:10

بسم الله الرحمن الرحيم

(( فاعتبروا يا أولي الأبصار ))

17 صفر عام 32 14 هـ - مسجد خالد بن الوليد

الحمد لله الذي جعل العدل أساس الملك والتمكين، والظلم وإن طال أمده مؤذناً بهلاك الظالمين، والعاقبة للمتقين .

أمر سبحانه بالتفكر والاعتبار, وحذر من الغفلة وزجر عن استمراء الذنوب والإصرار، والصلاة والسلام على من أمر بمبادرة الفتن قبل وقوعها بصالح الأعمال، وزجر عن الركون لكاذب الآمال، وقرر أن شكر النعم يحفظها من الزوال، وكفرها يقلبها إلى مقت ونكال.

وأشهد أن لا إله إلا الله الحكم العدل المجيد، الذي نزه نفسه عن الظلم فقال: "وما ربك بظلام للعبيد" وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الذي قرن العدل بالتوحيد، وفسر الظلم بالشرك والتنديد.

وأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله فاتقوه حق تقواه.

الإخوة المؤمنون:

( العدل أساس الملك ) هذه قاعدة صحيحة لا يخالف في صحتها عاقل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة؛ ولهذا يروى: الله ينصر الدولة العادلة وان كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وان كانت مؤمنة ).

والعدل هو السور العظيم الذي يحمي الدول من عدوان المعتدين ومكائد المتآمرين وحقد الحاقدين سواء كانوا من داخل الدولة أو من خارجها, كتب عامل إلى عمر بن عبد العزيز أن مدينتنا قد تشعث سورها فأرسِل لنا مالا ً نرممها فرد عليه رحمه الله بقوله: ( حصنها بالعدل ونقِ طرقها من الظلم فتلك مرمتها والسلام )

وقد أكد القرآن معاني هذه الحكم والآثار فقال سبحانه {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} فالهلاك لا يسلَّط على الدول ولا على البلدان وأهلُها مصلحون، ومن أعظم مظاهر الإصلاح إقامة العدل , وفي المقابل نجد الآيات الكثيرة المصرحة بأن الظلم سبب الهلاك وزوال الملك والقوة، قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} وكذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تؤكد ذلك المعنى ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ

{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.

وقال الشاعر:

وما من يد إلا يدُ الله فوقها وما ظالم إلا سيبلى بظالم ِ

عباد الله :

سقت هذه النصوص بمناسبة الأحداث التي حدثت في أوائل هذا الأسبوع وما قبله في تونس الشقيقة، تونس الخضراء أرض الزيتونة والقيروان، تلك الأحداث التي أذهلت العالم وغيرت المفاهيم، وقلبت الموازين عند كثير من الغافلين، أما المتبصرون بالأمور فهم يعلمون أن تلك نتيجة لمقدمات كانت موجودة وأثبتت صدق ما قرره القرآن، وما تحدث به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما جرت به السنن الكونية من أن " الظلم سبيل الهلاك وأن الظالم وأن طال ليله فإن الغد المشرق بزواله آت " لا محالة وإن أهات المظلومين ودعواتهم على ظالميهم لا تذهب هدراً كما قال صلى الله عليه وسلم: ( وأتقي دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) رواه البخاري ومسلم.

قال الإمام الشافعي - رحمة الله -:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما فعل الدعاء

سهام الليل لا تخطى ولكن لها أمدا ً وللأمد انقضاء

وقال غيره :

تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

عباد الله:

إن هذه الحقائق معلومة للجميع بما فيهم الظلمة والطغاة أنفسهم، ولكن مصيبة هؤلاء أن ما هم فيه من نعمة وترف ولذة، لذة الملك والسلطة والتمكين أنساهم التفكير في العواقب، وجلب لهم الآمال الكاذبة والظنون الخاطئة والغرور الخادع، فما يشعر أحدهم حتى تحِل الكوارث، وتحيق بهم سيئات أعمالهم، هنالك يردد أحدهم ما قال إمام الطغاة فرعون حينما حل به الغرق : {قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فكان الجواب من رب العالمين تقريعاً وتوبيخاً: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ}.

وهذا ما فعله طاغية تونس: الذي حارب الدين، وهدم الفضيلة، وأشاد أوكار الرذيلة، وكتم الحرية، وأذاق شعبه لباس الخوف والجوع، وظن أنه لن يحاط به، وأن قوة بطشه ووفور أسباب حمايته لن تسمح لأحد أن ينازعه أو يمسه بسوء، فأتاه الله من حيث لم يحتسب، وتزلزلت الأرض من تحت قدميه، وأيقن بالهلاك، فوقف يردد ما قاله فرعون بعبارة أخرى بفارق: واحد أن فرعون لجأ إلى الله وخاطب مولاه، وطاغية تونس لم يلجأ إلى الله ولم يتضرع إليه، وإنما لمزيد من الذل والهوان؛ جعل يستجدي شعبه ويتذلل بين يدي من كان يذلهم ويهينهم ويمتهن كرامتهم, ولم يجدي ذلك شيئاً.

ووالله إنني لا أقول ما قلته تشفياً منه، ولا شماتة به، وإنما من أجل أن أذكّرَ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وتلك طريقة القرآن حيث قال الله سبحانه تعالى في مفتتح قصة بني النضير ( اليهود) الذين غلبت عليهم طبائع الشر، فراحوا يخونون ويغدرون، ويتآمرون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودعوته؛ فأذاقهم الله بأسه فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}.

وقد قال شاعر حينما لقي شاه إيران السابق محمد رضى بهلوي نفس مصير ابن علي، يلفت أنظار جميع الحكام والزعماء لأخذ العبرة من ذلك:

فانظر إلى الشاه الذي سكن العلا زمناً ولقب حاكم الحكام

وتزينت دنياه حتى خاله يدعي إلى الخلد ادخلوا بسلام

فطغى وآثر من اشتهاه وفجأة دارت عليه دوائر الأيام

وأتى عقاب الله فانتزع الهناء ورماه بالنكبات والأسقام

وتبرأت منه البرية كلها من شؤم ما اقترفت يد الظلام

ذي عبرة للظالمين وإنما حجب العقول تراكم الآثام

شاه إيران كان شرطي أمريكا في المنطقة، ووكيل الغرب في تنفيذ خططه لنقض عرى الإسلام، وتغريب الشعوب الإسلامية وإلحاقها في كل شيء بنظم وعادات وأخلاق الغربيين وتسخير المسلمين وتعبيدهم لعدوهم الكافر الغربي، وكان الغرب يغدق عليه ويعطيه من الأسلحة ونظم الحرب ووسائل الحفاظ على نفسه ونظامه ما لم يعطِ أحداً من حكام المنطقة، فلما شعر أنه قد بلغ من القوة والسلطة والتمكين ما لم يبلغه سواه، طغى وبغى وحارب الله ورسوله ودينه؛ فسلّط عليه ثم صرف قلوب أصدقائه وحلفائه فلم يسعفوه، بل لم يقبلوه ضيفاً عليهم ولاجئاً في بلادهم التي لم يردوا عنها لاجئ من اللاجئين، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم: (من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس) رواه البيهقي وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

وما ذلك إلا لإظهار خزيه وهوانه؛ ولمزيد تعذيبه والتنكيل به.

واليوم لقي طاغية تونس نفس المصير، وأخباره لديكم طرية جليةً لا تحتاج إلى شرح، ولا ندري من الذي يقف بعده في الدور، غير أن الذي ندريه أن سنة الله في الظالمين واحدة وأن سنن الله لا تحابي أحداً، ولا تستثني أحداً، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ).

وقد تواردت أقوال المفسرين: ( أن سنة الله في الطغاة إنزال العقاب فيهم في الدنيا، فهي سنة ماضية لا تتخلف جرت على الطغاة السابقين وستجري على الحاضرين والقادمين، فلن يُفلت أحد منهم من عقاب الله في الدنيا، كما لم يفلت أحد منهم من عقابه في الآخرة ) فهل من مدكر هل من مزدجر, أرجو أن لا تمر هذه العبر دون اعتبار، وبقي أن أقول إن الظلم والطغيان والانحراف عن صراط الله المستقيم مهما بلغ فإن باب الرجوع إلى الحق والتوبة الصادقة إلى الله، والاصطلاح مع الشعب والمبادرة إلى إصلاح شئون الشعوب وإعادة حقوقها وإنصاف مظلومها ومحاسبة ظالمها، إن ذلك كله مازال ممكناًً وما زال الباب أمامهم مفتوحاً، قال الله تعالى لهؤلاء وأمثالهم: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } فهذا وعد كريم لكل مذنب، مهما كان ذنبه أن لا يقنط من رحمة ربه ومن عفوه وغفرانه ورفع المؤاخذة عنه في الدنيا والآخرة، ولكن ذلك مشروط بالمبادرة في الرجوع والتوبة والإنابة إلى الله، قبل أن يقع العذاب، قبل أن ينزل العقاب، وأما بعد نزوله فلن يرده شيء قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}.

ومعنى ذلك أنه متى جاء العذاب وشوهد العقاب فإنه لا تغني التوبة عندئذ لمن تاب،

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي، ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

عباد الله :

إن جميع الشرائع السماوية جاءت لأهداف عظيمة، أهمها بعد توحيد الله وإقامة الناس على عبوديته حفظ الكليات الخمس وهي : الدين والنفس والعقل والعرض والمال , وقد جعل الله تعالى حدوداً رادعة في الدنيا للحفاظ على هذه الكليات، كما توعد بالعذاب الأليم على من يعتدي عليها في الآخرة، وقد اتفق العلماء على أن أعظم هذه الكليات الخمس بعد حفظ الدين هو حفظ النفس، وبذلك الترتيب جاءت الآيات والأحاديث قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} جعل الشرك أولاً وقتل النفس ثانياً.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن قال: الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ... ) إلى آخر الحديث وهو في الصحيحين .

وقتل النفس المعصومة بغير حق كله محرم وكله إجرام، وكله إفساد في الأرض قال تعالى: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } وقال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} قال صلى الله عليه وسلم: ( لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ) رواه ابن ماجه في إسناد حسن، وقال صلى الله عليه وسلم: ( لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في قتل مؤمن لأكبهم الله في النار ) رواه الترمذي وصححه الألباني.

وقال صلى الله عليه وسلم مخاطباً الكعبة: ( ما أطيبكِ وما أطيب ريحكِ وما أعظمك وأعظم حرمتكِ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم حرمةً منك، ماله ودمه وأن لا يظن به إلا خيراً ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

عباد الله :

هذه النصوص صريحة واضحة في تحريم القتل بغير حق، وهي شاملة لكل قتل بغير حق سواء في ذلك ما كان على يد الدولة وأجهزتها المختلفة، فما جعل الله يد الدولة مطلقة في شعوبها تقتل وتضرب وتسجن بهواها، وإنما جعل لذلك أنظمة وقوانين وأحكام ومحددات، لا يجوز تجاوزها فمن تجاوز شيئاً من ذلك فهو ظالم معتدي أياً كان موقعه، ومهما كانت منزلته ورتبته ومهما كان تبريره وذريعته. كذلك هو محرم على يد من كان سواء مجاميع تدَّعي دعوات وتنادي بحقوق أو غير ذلك؛ فإن ذلك أيضاً حرام، وكذلك مهما كانت المسوِّغات، مهما اتخذ لها من الأسماء الحسنة أو قتل الأنفس البريئة باسم الجهاد بدون حق وفي غير ساحات الجهاد، ويوجه سلاحه إلى المسلمين باسم الجهاد، فهو قتل وجريمة وفتنة وهو كغيره من أنواع القتل المحرم الذي لا يسوغ بأي حال من الأحوال، هي جرائم وموبقات إذا استهان بها الناس، وتوسعوا فيها وزالت هيبتها، من قلوبهم فإن ذلك مؤذن بالفتن ومنذر بقرب الهلاك، ومشعر أن تلك الأمة في أسوأ مراحل تاريخها، وهي من علامات الساعة التي لا تقوم إلا على شرار الخلق, قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج، قالوا وما الهرج؟ قال القتل ). متفق عليه.

لذلك فإنني أدين كل قتل بغير حق، كل قتل بغير مسوغ شرعي، كل قتل بغير محاكمة عادلة وبغير سند شرعي ظاهر لا لبس فيه، كما أدين تحول وسائل التعبير عن الرأي أو المطالبة بالحقوق إلى وسائل عنف ينتج عنها القتل وإراقة الدماء والإضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة، كما أدين قتل المعصومين أياً كان موقعهم وهويتهم ودينهم: باسم الجهاد في سبيل الله، فكل تلك الأنواع من القتل جرائم وعدوان ومفردات من مفردات الفتنة التي أمرنا بدفعها عن أنفسنا وعن أممنا وعن أوطاننا، كما أن قتل النفس محرماً وجريمة من الجرائم مهما كان الدافع إليه، وهناك أحاديث كثيرة ومن أشهرها وأخصرها قوله صلى الله عليه وسلم: ( من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة ) رواه البخاري ومسلم

فلا يجوز أيها الإخوة إذا أخطأ إنسان وفعل ما حرّمه الله عليه أن نتخذه قدوة، وأن نسير على خطاه، قد يكون في فترة من الفترات أو في حادثة من الحوادث سبباً لخير كثير، وهذا نادر أن يصلح الله بعمل المفسدين، نادر أن تكون الأخطاء والذنوب سبباً للخيرات وسبباً لرفع الظلم والفتنة عن الشعوب، لكن نقول في هذا نسأل الله أن يغفر لذلك الشاب الذي أقدم على هذا الذنب وأحرق نفسه وانتحر رغم ما نسمع في ذلك من التحذير ورغم الوعيد بالعذاب على ذلك، لكننا نقول هو لا يزال مسلماً نسأل الله أن يغفر له وأن يرحمه وأن يعفو عنه وأن يعلي درجته إنه على ذلك قدير سبحانه وتعالى، ولكن لا يجوز أن نقتدي به لا يجوز أن نجعله رمزاً، فكل من أراد أن يعمل شيئاً يقتدي به فيقتل نفسه وزيادة أن يقتل نفسه بالنار التي لا يجوز أن يعذب بها إلا رب العالمين سبحانه وتعالى، كما روى ابن عباس رضي الله عنهما لعلي رضي الله عنه حينما أحرق أناسا بالنار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: لو أدركتك قبل أن تحرقهم بالنار لنهيتك عن ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يعذب بالنار إلا رب النار. إذاً فهذا وإن تسبب في شيء، وإن تسبب في خير يجب أن نتخذ وسائل شرعية للوصول إلى الخير، كما أنه ليس في كل الأحوال ولا في كل مكان ولا في كل بلاد، الفوضى والانفلات يؤدي إلى النتيجة التي نريد، فكم من شعوب انفلتت فكانت عاقبة انفلاتها السوء، وكان عاقبة انفلاتها أن وصلوا إلى حالة لم ترفع عنهم المحنة والفتنة إلى الآن، فلابد أن نفكر في الوسائل الشرعية لإزالة الظلم وإيقاف الظالمين عند حدودهم أو تنحيتهم وإبعادهم، ولا حرج في ذلك لكن يكون بالطرق الشرعية التي أولاً فيها رضوان الله عز وجل، وثانياً فيها غلق وسد أبواب الفتنة، أما أن ندعو إلى أن ننتهج وينتهج كل أحد وكل الناس ذلك النهج، هذا مخطئ لأن ما صلح في مكان قد لا يصلح في مكان آخر، وما صلح لشعب قد لا يصلح لشعب آخر، وكل بلد وكل شعب له ظروفه وله أوضاعه وله ملابسات حياته، فلابد أن يعلم الكل ما هو الطريق الذي فيه خيره وفيه صلاحه.

أسأل الله أن يرشدنا لسلوك الخير وسبيل الرشاد إنه سميع مجيب، وأسأل الله عز وجل، أن يرفع الظلم وأن يرفع الكبت وأن يرفع الطغيان وأن يرفع التسلط عن جميع شعوب المسلمين، وأن لا يدع على رؤوسها ولا على عروشها ظالماً، أسأله أن يهدي من عَلِمَ في هدايته خيراً، وأن يذهب و يزيل ويهلك من في هلاكه صلاح الإسلام والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تاريخ آخر تحديث: الأحد, 30 كانون2/يناير 2011 06:27